أحمد بن علي القلقشندي

143

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المعاريض ( 1 ) ، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد ، وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم ، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له ، وعن الآخر ولا حجة معه » . قلت : وكما يجب عليه الاحتياط حالة تلقي السر عن الملك فكذلك يجب عليه الاحتياط حالة إلقائه إلى كاتب يكتبه ، فلا يلقيه إلى كاتبين جميعا ، ولا يخاطب فيه أحدهما بحضرة الآخر لتكون العهدة في دركه على واحد بعينه . على أنه ربما أفشي السر مع احتراز صاحبه عن إفشائه ، فقد قيل : إن الجنّ تنقل الأخبار ، وتفشي ما تطَّلع عليه من الأسرار . وقد حكي عن عليّ بن الجهم ( 2 ) أنه قال : دخلت على أمير المؤمنين المتوكَّل فرأيت الفتح بن خاقان وزيره واقفا على غير مرتبته التي يقوم عليها ، متّكأ على سيفه ، مطرقا إلى الأرض فأنكرت حاله ، وكنت إذا نظرت إليه نظر الخليفة إليّ ، وإذا صرفت وجهي إلى نحو الخليفة أطرق ؛ فقال لي الخليفة : يا عليّ أنكرت شيئا ؟ - قلت : نعم يا أمير المؤمنين ! - قال : ما هو ؟ - قلت : وقوف الفتح بن خاقان في غير منزلته ، - قال : سوء اختياره أقامه ذلك المقام ، - قلت : ما السبب يا أمير المؤمنين ؟ - قال : خرجت من عند جارية لي فأسررت إليه سرّا فما عداني السرّ أن عاد إليّ . - قلت : لعلك أسررت إلى غيره ، - قال : ما كان هذا ! ! - قلت : فلعل مستمعا استمع إليكما ، - قال : لا ولا هذا أيضا . قال فأطرقت مليّا ثم رفعت رأسي ، فقلت : يا أمير المؤمنين قد وجدت له مما هو فيه مخرجا . - قال وما هو ؟ - قلت : خبر أبي الجوزاء ( 3 ) ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ( 4 ) قال

--> ( 1 ) أي اتسعت على الرجلين سبل الإنكار والتملص لإمكانية اشتباه الأمر فيما بينهما . وفي لسان العرب : المعاريض من الكلام ما عرّض به ولم يصرّح . وأعراض الكلام ومعاريضه : كلام يشبه بعضه بعضا في المعنى . والمعاريض التورية بالشيء عن الشيء . ( اللسان 7 / 183 ) . ( 2 ) شاعر رقيق الشعر ، أديب من أهل بغداد . كان معاصرا لأبي تمام ، وخصّ بالمتوكل العباسي . توفي سنة 249 ه . ( الأعلام 4 / 269 ) . ( 3 ) هو أوس بن عبد اللَّه الربعي . من رجال الحديث الموثوقين . كان شيخا لحماد بن سلمة ولمسلم بن الحجاج ولأوس بن عبد اللَّه التابعي . توفي سنة 203 ه . وفي بعض الروايات سنة 183 ه . ( ذكر أسماء التابعين 1 / 77 والقاموس 2 / 177 ) . ( 4 ) محدّث حافظ من أهل الكوفة ؛ من شيوخ البخاري ومسلم . كان إماميا وإليه نسبة الطائفة الدّكينية توفي سنة 219 ه . ( الأعلام 5 / 148 ) .